(الحلقة الثانية)
إن المخالفين لأهل السنة في صفة
العلو ثلاث طوائف:
القسم الأول: هم معطلة
الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة النفاة، والقرامطة الباطنية، وطوائف من متأخري
الأشاعرة.
وقالوا: إن الله لا داخل العالم
ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف.
القسم الثاني: وهم حلولية
الجهمية، وعبادهم، وصوفيتهم وغيرهم من الجهمية.
وقالوا: إن الله عز وجل في كل
مكان، فهم يعتقدون وجوده سبحانه وتعالى في الحشوش والأماكن القذرة، وفي أمعاء
الكلاب والخنازير، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!
فمذهب الحلول أغلب على عباد الجهمية، وصوفيتهم، وعامتهم، والنفي
والتعطيل أغلب على نظارهم، ومتكلميهم، وأهل البحث والقياس منهم، ولذا قيل: متكلمة الجهمية لا
يعبدون شيئاً، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء.
ومنهم من قد يجمع بين القولين: ففي
حال النظر والبحث يقول بسلب النقيضين، وفي حال التعبد والتأله يقول أنه في كل
مكان.
القسم الثالث: هم طائفة من أهل
الكلام والتصوف ، ونقل عن السالمية –أيضاً-.
وقالوا: إن الله فوق العرش بذاته،
وهو مع الخلق بذاته، فهؤلاء أثبتوا العلو، وأثبتوا نقيضه، فجعلوه سبحانه وتعالى
بذاته فوق العرش، وبذاته في كل مكان، والفرق بين هذا القول والذي قبله هو أن هؤلاء
يثبتون العلو ونوعاً من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من
الاستواء على العرش والمباينة ([1]).
والخلاصة أن الأقوال المخالفة في
هذا الباب ثلاثة
1- منهم من لا يثبت لا مباينةً،
ولا حلولاً، ولا اتحاداً، كقول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم.
2- منهم من يقول بالحلول والاتحاد
فقط، كقول ابن عربي وأمثاله.
3- منهم من يثبت العلو ونوعاً من
الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو بعضهم.
أما قول سلف
الأمة وأئمتها فهو إثبات مباينة (الخالق) للمخلوق بلا حلول([2]).
شبه المخالفين، وأدلتهم.
فالقسم الأول من المخالفين نفوا
العلو، وأولوا النصوص الثابتة فيه بأن المراد بها
علو القهر والغلبة تحت دعوى التوحيد
والتنزيه ونفي التشبيه، وجل ما اعتمدوا عليه في نفي صفة
العلو وغيرها من الصفات من أدلة فهي عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة، فهم يزعمون أن
إثبات العلو لله تعالى فيه إثبات للجهة، والمحايثة، والحد، والحركة، والانتقال،
وهذه الأمور على زعمهم تستلزم الجسمية، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، وبعبارة أخرى إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة، وإثبات الجهة يقتضي كونه
جسماً، وكونه جسماً يقتضي كونه مركباً، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى
جزئيه لا يكون إلا حادثاً والله سبحانه منزه عن الحوادث([3]).
أما القسم الثاني منهم فهؤلاء يحتجون ببعض الحجج
العقلية المزعومة بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على المعية والقرب، مثل
قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا
خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ
مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (المجادلة 7) ، وقوله
تعالى: "وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ" (الزخرف
84) ، وغيره من الآيات.
وقد زعم حلولية الجهمية أن المراد بهذه
النصوص معية الذات وقرب الذات، فلذلك قالوا: إن الله بذاته في كل مكان([4]).أما نصوص العلو والاستواء فيؤولونها.
أما القسم الثالث منهم فهم يزعمون أنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو
معية أو قرب، وأقروا بهذه النصوص ولم يصرفوا واحداً منها عن ظاهره ([5]).
الرد عليهم، ودحض شبههم، وإبطال حججهم.
أولاً: الردعلى معطلة الجهمية ومن وافقهم.
ومجمل شبهة هؤلاء كما سبق هي لو كان الله في العلو بذاته؛
كان في جهة، وإذا كان في جهة؛ كان محدوداً وجسماً, وهذا ممتنع، فرد عليهم أهل
السنة بأجوبة كثيرة، ملخصها فيما يلي:
أولاً: لا يجوز إبطال دلالة النصوص الظاهرة المتواترة بمثل هذه
التعليلات الواهية، ولو جاز هذا؛ لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل
هذه العلل العليلة.
فإذا
كان الله أثبت لنفسه العلو، ورسوله eأثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو؛ فلا يقبل
أن يأتي شخص ويقول: لا يمكن أن يكون علو ذات؛ لأنه لو كان علو ذات؛ لكان كذا وكذا.
ثانياً:
نقول: إن كان ما ذكرتم لازماً لإثبات العلو لزوماً صحيحاً؛ فلنقل به؛ لأن لازم كلام
الله ورسوله حق؛ إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه. فلو كانت نصوص العلو تستلزم
معني فاسداً لبينه، ولكنها لا تستلزم معني فاسداً([6]).
ثالثاً: أن ما
استدلوا به لا أصل له من الكتاب أو السنة، بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين
يزعمون أن للعالم صانعاً ليس بعالم ولا قادر ولا حي كما أن مذهبهم في الذات قريب
من مذهب اليونان، فلا نهمل النصوص لهذه القواعد الباطلة الرديئة الفاسدة المعارضة
لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ([7]).
رابعاً: أنهم يستدلون
لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ الحد
والجسم والحيز والجهة والتركيب وغير ذلك، وكل هذه الألفاظ مجملة مبهمة لم ترد في
الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، فهم يتكلمون بها ليخدعوا به جهال الناس، وهذه الألفاظ
المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق
والباطل.
فنستسفر منهم ونقول: ما مقصودكم بالحد
والجسم والتركيب والحيز.
أتريدون بالحد أن شيئاً من
المخلوقات يحيط بالله؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، وليس بلازم من إثبات العلو لله أو
تريدون بالحد أن الله بائن من خلقه غير حال فيهم؟ فهذا حق من حيث المعني، ولكن لا
نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لعدم ورود ذلك.
وأما الجسم، فنقول: ماذا تريدون
بالجسم؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك؟ فهذا باطل ومنتف عن
الله، لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أم تريدون بالجسم ما هو قائم
بنفسه متصف بما يليق به؟ فهذا حق من حيث المعني، لكن لا نطلق لفظه نفياً ولا
إثباتاً لعدم ورود النص به.
وكذلك نقول في الجهة، هل تريدون أن
الله تعالي له جهة تحيط به؟ فهذا باطل، وليس بلازم من إثبات علوه. أم تريدون جهة علو
لا تحيط بالله؟ فهذا حق لا يصح نفيه عن الله تعالي([8]).
خامساً: القول بأن العلو
يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة
تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه
في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط
بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء([9])
سادساً: ويضاف إلى ذلك في الرد على الأشاعرة منهم أن القول في الصفات التي نفاها
هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيماً وقولاً باطلاً فهذا
كذلك.
وإن قالوا:
إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.
قيل لهم:
وكذلك هذا.
فإن قالوا:
نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.
قيل لهم:
وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين([10]).
سابعاً: أن القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق، ولا تحت،
ولا يمين، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، ولا متصل، ولا منفصل يستلزم أن إلههم
معدوم أصلاً لا حقيقة له فإنه لن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصفوا
به الخالق جل وعلا([11]).
فهؤلاء فروا
من التشبيه بالموجودات ووقعوا في أشد منه ألا وهو التشبيه بالمعدومات.
والخلاصة كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه
الله- : "النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بيِّن قط، ولا يعارضها
إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق، لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم
أنه حق، بل نقول قولاً عاماً كلياً: إن النصوص الثابتة عن الرسول -صلى الله عليه
وسلم- لم يعارضها قط صريح معقول، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات، مبناها علي معان
متشابهة وألفاظ مجملة، فمتي وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية([12])،
لا براهين عقليه"([13]).
ثانياً: الردعلى حلولية الجهمية ومن نحا نحوهم.
فهؤلاء
أنكروا العلو بنفس الشبه التي لفقتها معطلة الجهمية ومن وافقهم فالردعليهم في هذا
بنفس الردود السابق ذكرها عند الكلام على معطلة الجهمية، وأما استدلال هؤلاء
الجهمية الحلولية بآيات المعية والقرب على كونه في كل مكان فقد أبطل علماء السلف
زعمهم، وبينوا أن كل نص يحتجون به هو في الحقيقة حجة عليهم، فنصوص المعية والقرب
التي استدلوا بها لا تدل بأي حال من الأحوال على ما ذهبوا إليه من الحلول والاتحاد
والمخالطة، ولا يوجد أي تناقض بين
علو الله ومعيته لخلقه، وذلك لوجوه عديدة،
أهمها ما يلي:
أولاً: إن النصوص جمعت بينهما فيمتنع أن يكون
اجتماعهما محالاً لأن النصوص الشرعية الصحيحة لا تدل على المحال([14]).
ثانياً: لا منافاة بين العلو والمعية أصلاً فإن
المعية لا تستلزم الاختلاط والحلول، فقد يكون الشيء عالياً بذاته وتضاف إليه
المعية، ومنه ما يقوله العرب: القمر معنا
ونحن نسير، والشمس معنا ونحن نسير، والقطب معنا ونحن نسير، مع أن القمر والشمس
والقطب كلها في السماء، فإذا أمكن اجتماع العلو والمعية في المخلوق، فاجتماعهما في
الخالق من باب أولى([15]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- :"كلمة "مع" في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في
اللغة إلا المقارنة المطلقة؛ من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال؛ فإذا قيدت
بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر
معنا أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك. فالله
مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة"([16]).
ثالثاً: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق، لم يكن متعذراً
في حق الخالق، لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين،
لظهور التباين بين الخالق والمخلوق، والله تعالى لا يماثله شيء "ليس كمثله
شيء وهو السميع البصير" (الشورى:11).
يقول
شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وما ذُكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي
ما ذُكر من علوه وفوقيته ؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته ، وهو علي في دنوه
، قريب في علوه"([17]).
رابعاً: يبقى الآن أنه ما المقصود بمعية الله وقربه في آيات
المعية والقرب، وما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في المعية والقرب.
والجواب:
أن كلمة المعية قد وردت في الكتاب والسنة في مواضع، وتختلف دلالتها بحسب اختلاف السياق
في كل موضع، ونصوص المعية حددت نوعين من المصاحبة هما:
الأول: المعية العامة، هي معية
الإحاطة بالخلق علماً وقدرةً، وتدبيراً وسلطاناً، فالمراد بها أن الله معنا بعلمه،
فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله
تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ
إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ
أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ
اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"(المجادلة:7)
فالله
سبحانه وتعالى قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة
والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه.
وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في هذه الآيات.
الثاني: المعية الخاصة، وهي معية النصرة
والتأييد، وسميت خاصة لأنها تخص أنبياء الله وأولياءه مثل قوله تعالى: {إِذْ
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} ، وقوله تعالى:"إِنَّ
اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" (النحل 128)
. فهذه المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.
ولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن
تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان
لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك([18]).
فعقيدة أهل السنة والجماعة في المعية هو
إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه ومباينته لخلقه، وأن الله عالم بخلقه
مطلع عليهم لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
يقول
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- :"فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به
الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم عن مواضعه؛ أثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه؛
بائن من خلقه وهم بائنون منه. وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه ومع أنبيائه
وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية"([19]).
وقد
جاء تفسير المعية بالعلم والإحاطة والنصر والتأييد عن كثير من أئمة السلف وعلماء
الأمة، قال ابن عبد البر -رحمه الله- :"أجمع
علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل
هذه الآية هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله"([20]).
ثالثاً: الرد على من أثبت العلو والحلول معاً.
إن هذا الصنف وإن كان أقرب إلى التمسك
بالنصوص، وأبعد عن مخالفتها من الصنفين الأول والثاني، فإن الصنف الأول لم يتبع
شيئاً من النصوص بل خالفها كلها. والصنف الثاني ترك النصوص الكثيرة المحكمة
المبينة، وتعلق بنصوص قليلة اشتبهت عليه معانيها.
وأما هذا الصنف، فيقول أنا اتبعت النصوص
كلها؛ لكنه غالط أيضاً؛ فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب
والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده؛ ولصريح
المعقول والأدلة الكثيرة([21]).
فقولهم هذا ظاهر الخطأ والبطلان
وغاية في التناقض والتعارض، لأنهم جمعوا بقولهم هذا بين كلام أهل السنة وكلام حلولية
الجهمية، وشتان ما بين قولهما، فلم يبق لهم إلا أن يثبتوا العلو على طريقة أهل
السنة، أو أن يقولوا بقول الحلولية فإن أثبتوا العلو على طريقة أهل السنة فهذا هو
الحق، وإلا يرد عليهم كما سبق الرد على مذهب حلولية الجهمية.
فالذي يتلخص من هذا البحث أسرده فيما يلي مرتباً:
أولاً: إن صفة العلو لله تعالي هي من أشد ما وقع فيها الضلال
والإنحراف بالرغم علي ورود الأدلة الكثيرة المتواترة المستفيضة بالإضافة إلى دلالة
العقل والفطرة وإجماع السلف علي إثباتها.
ثانياً: إثبات صفة العلو
يستلزم إثبات جملة من الصفات، كماأن إنكارها
يستلزم إنكار جملة من الصفات.
ثالثاً: العلو له ثلاثة أقسام: (الف) علو القدر والعظمة والشأن، (ب) علو
القهرة الغلبة والسلطان، (ج) علو الذات، فالأولان يثبتهما جميع من ينتسب إلى
الإسلام، أما الثالث فضلت فيه أقدام، وطاشت فيه أقلام.
رابعاً: يمكن التفريق بين العلو والإستواء من ثلاثة
أوجه.
خامساً: إن معتقد أهل السنة الجماعة في علو الله ذاتياً هوأن
الله فوق جميع خلقه، بائن منهم، مستو علي عرشه، وعلمه محيط بجميع الأشياء.
سادساً: إن الأدلة علي
معتقدهم كثيرة متظافرة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل والفطرة ، وكل منها
على أنواع، ثم كل نوع تحته عدد من الأدلة.
سابعاً: إن المخالفين
لأهل السنةوالجماعة في هذا الباب ثلاث طوائف، وعباراتهم وألفاظهم في هذا شتي:
الأول: معطلة الجهمية، ومتأخري
الأشاعرة، ومن وافقهم، وقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا
تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف.
الثاني: حلولية الجهمية،
وعبادهم، وصوفيتهم وغيرهم من الجهمية، وقالوا: إن الله عز وجل في كل مكان
الثالث: طائفة من أهل الكلام والتصوف، وقالوا: إن الله
فوق العرش بذاته، وهو مع الخلق بذاته، فجعلوه سبحانه وتعالى بذاته فوق العرش،
وبذاته في كل مكان.
ثامناً: إن المخالفين
ليس لهم أي دليل صحيح علي ما ذهبوا إليه فحجتهم إما عبارة عن حجج عقلية ساقطة،
أوعلل واهية لا تقوم بمقابل الأدلة النقلية الصريحة المتواترة مع دلالة العقول
السليمة والفطر الصحيحة، وإجماع سلف الأمة وإما آيات قرآنية أخطأوا في فهم
المراد منها.
فالواجب علينا أن نثبت العلو لله تعالى كما أثبته سلف هذه الأمة من
الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لأن فيه إثباتاً لما أثبته
الله لنفسه، وأثبته رسولهeله، وتؤيده العقول السليمة،
والفطر الصحيحة، وأيضأً فيه تعظيم ومدح وثناء على الله عزوجل، يقول الله
عزوجل:" وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ
الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا"(النساء:115)
هذا، وبالله التوفيق، وآخردعوانا
أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم تسليماً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق