إن الله
تعالى قد امتن على هذه الأمة الإسلامية بأن بعث نبيه محمداً e بالهدى
ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ثم اختار لنبيه
أصحابه الأخيار ورفقاءه الأبرار، فهمم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً،وأقومها
هدياً، وأحسنها حالاً، اختارهم الله لصحبة نبيه eوإقامة
دينه، هؤلاء كانو على
منهج قويم وعلى صراط مستقيم، ثم لحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدى
والتقى والبعد عن الهوى ممن اتبعهم في كل زمان ومكان بإحسان، وهم الذين أخبر عنهم
النبيe في حديثه:
"لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم
أمر الله وهم ظاهرون"([1]).
وهم المراد بالجماعة في حديث الافتراق: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين
ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي
الجماعة "([2]).
ولما كانت هذه الطائفة هي الناجية والمنصورة من بين فرق المسلمين فكثر من
يدعي الانتماء إليهم، وهو ليس منهم، وأهل البدع والأهواء بثوا الدعايات ضد هم في كل زمان ومكان، وأرادوا بتشويه ما هم عليه
من الاعتقادات الصحيحة، والسلوك الحسنة والتشكيك فيهم، ونبزوهم بالألقاب القبيحة
زوراً وبهتاناً مقابل الأسماء الحسنة الثابتة لهم بالنصوص.
فجاء بحثي هذا للتعريف
بهم وبيان المراد منهم، وذكر أسماؤهم وألقابهم الثابتة لهم في الأحاديث والآثار
وسبب التسمية بها، وذكرالأسماء والألقاب المنسوبة إليهم زوراً وبهتاناً، وإبطالها،
وبيان من يدخل فيهم ومن لا يدخل، وعنونته:"أهل السنة والجماعة: التعريف بهم، وأسماؤهم
وألقابهم عندهم وعند خصومهم"
وأسال الله العلي القدير
أن أكون قد وفقت إلى ما هدفت إليه بعون الله ورحمته، وإن هفوت فالكمال لله وحده
وقد يشفع لي ما بذلته من جهد وما سعيت إليه من قصد-إن شاءالله-
تعريف أهل السنة والجماعة ونشأة هذاالمصطلح، وتمييز أهله من غيرهم
أولاً: التعريف بالسنة والجماعة لغةً واصطلاحاً.
السنة اصطلاحاً: يختلف معنى السنة عند أهل الشرع
حسب اختلاف الأغراض والفنون التي يتجه إليها أصحابها.
فهي في اصطلاح المحدثين: ما أثر عن النبيeمن قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية
أو خلقية أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أو بعدها([4]).
وفي اصطلاح الأصوليين: عرفها جمهور الأصوليين بأنها: ما
صدر عن الرسولe من الأقوال والأفعال والتقرير([5]).
فالسنة عندهم عبارة عن دليل من
الأدلة الشرعية المتفق عليها([6]).
وفي اصطلاح الفقهاء: كل ما ثبت عن النبيe ولم يكن من باب الفرض و ولاالواجب، فهي الطريقة المتبعة في الدين
من غير افتراض ولا وجوب ([7]).
وأما السنة في اصطلاح
علماء العقيدة وأصول الدين: فهي عبارة عن موافقة الكتاب والسنة في قضايا الاعتقاد،
واطلقوا على عقيدة السلف الصالح اسم السنة بسبب اتباعهم لطريقة رسول اللهe وأصحابهy في ذالك([8]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات وإن كان
كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات وهذا كقول ابن مسعود وأبي بن
كعب وأبي الدرداء رضي الله عنهم :"اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة"([9])،
وأمثال ذلك"([10]).
بل
وكثير من علماء السلف المتقدمين أيضاً خصوا السنة بذالك كسفيان بن عيينة، والشافعي،
واحمد بن حنبل وغيرهم([11]).
الجماعة شرعاً: قد فصل الشاطبي رحمه الله في
المراد بالجماعة الواردة في الأحاديث، ومجملها ما يلي:
الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فالسواد الأعظم هم
الناجون من الفِرَق.
الثاني: هم العلماء المجتهدون الذين قال
فيهم الرسولe :" إن الله لا يجمع أمتي، أو
قال: أمة محمد e، على ضلالة، ويد الله مع الجماعة "([13])
الرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام,
إذا اجتمعوا على أمر، فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم.
الخامس: هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على
أمير.
وحاصله:
أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة, وذلك ظاهر في أن
الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج
ومن جرى مجراهم([15]).
وهذا الخلاف في المراد بالجماعة في
الحديث اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فأهل السنة هم الجماعة على أي معنى من المعاني([16]).
ثانياً: المراد بأهل السنة والجماعة، ونشأة هذاالمصطلح، وذكر من أطلقه من السلف.
المراد بأهل السنة والجماعة: في ضوء ما سبق يمكن لنا أن نعرف أهل السنة والجماعة: أنهم أصحابُ النبي eوالتابعون لهم بإحسان، وكل من
التزم بمنهجهم، واقتدى بهم واتَّبع سبيلَهم من المؤمنين المتمسكين بآثارهم إلى يوم
القيامة في جميع أمور الدين من الاعتقاد، والسلوك والقول والعمل وغيرها([17]).
قال ابن حزم:"أهل السنة الذين نذكرهم أهل
الحق ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم الصحابة y وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم ثم أصحاب الحديث
ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا أو من اقتدى بهم من العوام في
شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم"([18])
وسُموا
بالجماعة لأنَّهم اجتمعوا على الحق، وأخذوا به، واقْتفوا أَثر جماعة المسلمين
المستمسكين بالسنة من الصَّحابة والتابعين وأتباعهم، واجتمعوا على مَن وَلاَّه
الله أمرهم، ولم يشقُّوا عصا الطاعة، كما أمرهم رسول الله e([20]).
نشأة هذاالمصطلح، وذكر من أطلقه من السلف: القصد من هذا هو الكلام عن بداية التسمي بهذا المصطلح لا
نشأة المسمى مثل ما تُبحث نشأة الفرق
الضالة، وذلك لأن مذهب أهل السنة والجماعة هومذهب الصحابةy الذي تلقوه عن النبيe، ولا شك في أصالة التسمي فإنها مستمدة من
النصوص الشرعية، فالمقصود معرفة بداية اطلاق هذا اللقب عليهم([21]).
يُعد مصطلح أهلِ السنة والجماعة من المصطلحات
السلفية، وليس من المصطلحاتِ الحادثة المبتدعة، ويرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر
الإسلام، والقرون المفضلة.
قد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس رضي الله
عنهما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وجُوه} [آلعمرا:106]؛
"فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت
وجوههم: فأهل البدع
والضلالة([22])".
ثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه
عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، وممن ورد عنه ذلك الحسن البصري، محمد بن
سيرين، أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، والطحاوي وغيرهم رحمهم الله([23]).
فمصطلح أهل السنة كان معروفاً
ومتداولاً بين السلف، وكانو يطلقونه مقابل أهل البدع.
ثالثاً: طريق معرفة أهل السنة، وتمييز أهله من غيرهم.
لما كان أهل
السنة هم أهل الحق وهم الطائفة المنصورة وهم الجماعة ادعى كثير من الفرق أنهم هم
أهل السنة والجماعة فلا بد من معرفة من يدخل فيهم ومن لا يدخل.
ويقول الدكتور ناصر الشيخ معرفا بهم،
وموضحاً من يدخل فيهم ومن لا يدخل: "أهل السنة هم المتمسكون بما جاء فى
الكتاب والسنة ، والتزموا بما فيهما قولاً وعملاً ، وكان معتقدهم موافقاً لما جاء
فيهما ، وموافقاً لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام y،
والتابعين لهم بإحسان ، وأتباعهم من أئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة ، وعرف عظم
شأنهم فى الدين ، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف , دون من رمى ببدعة ، أو شهر بلقب
غير مرضى ، كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجبرية والمعتزلة والكرامية
ونحو هؤلاء "([24]).
ومما ينبغي أن نعرف في هذاالباب أن
أهل السنة والجماعة يطلق ويراد به معنى عاماً أي: أهل الملة والدين ويظهر ذلك
بوضوح في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مِنْهَاج السنة لمن تدبَّره عند قوله:
الخلاف بين أهل السنة والرافضة كذا... فأهلُ السنة هنا مُصطلح عام يدخل فيه كل من
انتسب إلى الإسلام إلا الرافضة
كما يستخدم مُصطلح أهل السنة
والجماعة بالمعنى الخاص؛ أي: أهل الاتِّباع لا الابتداع ممن سلم من الشُّبهات في
الاعتقاد، ويخرج به سائر أهل الأهواء والبدع، ويظهر ذالك عند قول شيخ الإسلام ابن
تيمية: خلاف أهل السنة مع الأشاعرة كذا... وهو المشهور بين أهل العلم.
قال شيخ الإسلام:" فلفظ " أهل السنة " يراد
به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل
في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة،
فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله
تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك
من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة"([25]).
اسماء أهل السنة والجماعة وألقابهم المرضية عندهم.
أولاً: السلف:
وقيل:
سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته. ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين
بالسلف الصالح([27]).
ثانياً:
السلف اصطلاحاً: اختلف العلماء في المفهوم من إطلاق تسمية السلف على من تطلق
وفي أي زمن أطلقت وهل هذا الوصف باق يصح الانتساب إليه أم لا؟
1- القول الأول: أنهم الصحابة رضي الله عنهم فقط.
2- القول الثاني: أنهم الصحابة والتابعون.
وممن ذهب إلى هذا أبو حامد الغزالي.
3- القول الثالث: أنهم الصحابة، والتابعون،
وتابعوا التابعين؛ أي: القرون الثلاثة التي أثبت لها رسول الله eالخيرية بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم"([28])
.
وإلى هذا القول ذهب عدد كبير من أهل العلم؛
كالإمام الشوكاني، والإمام السفاريني، وغيرهما([29]).
4-ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن
مفهوم السلف عند الإطلاق يراد به الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان وأتباع التابعين
من أهل القرون الثلاثة الوارد ذكرهم في الحديث ومن سلك سبيلهم من الخلف([30]).
وبناء على ذلك فمن تمسك بالكتاب
والسنة، وسار على نهج الصحابة والتابعين في فهمها والعمل بهما فهو داخل في دائرة
السلف حتى وإن عاش في القرون المتأخرة، وينسب إلى السلف الصالح بباء النسبة، فيقال
"سلفي"، وبهذا المعنى تكون السلفية منهاج باقٍ إلى يوم القيامة يصح
الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده لقوله e"لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم
ظاهرون"([31])،([32]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" ولا عيب على من
أظهر مذهب السلف، وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك بالاتفاق، فإن مذهب
السلف لا يكون غلا حقا"([33]).
ومما تجب معرفتها أنه ليس كل من كان
في تلك الزمن يسمى سلفاً بل لا بد من موافقته للكتاب والسنة، فمن انحرف عن الكتاب
والسنة ومنهج الصحابة فهو ليس بسلف وإن عاش بين الصحابة.
قال الإمام السفاريني في تحديد مذهب السلف بأنه
"ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم،
وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا
عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي؛ مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية،
والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء"([34]).
ثانياً: أهل الحديث:
فأهل الحديث يطلق بمعنى أخص على فئة معينة، ممن
يُعنَون بدراسة الحديث النبوي روايةً ودرايةً، أو روايةً ، والمشتغلون بآثار
الصحابة تمييزاً وفهماً واحتجاجاً([37]).
وأهل الحديث أو أصحاب
الحديث من المسميات التي أطلقت على أهل السنة والجماعة أيضاً
يقول الإمام أبوبكر
الإسماعيلي"اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن مذهب أهل الحديث أهل السنة
والجماعة الإقرارُ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله -
تعالى - وصحت به الرواية عن رسول الله e".
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته، بل نعني
بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهراً وباطناً، واتباعه باطناً وظاهراً.
وكذا أهل القرآن"([38]).
فمما ينبغي التنبيه عليه أن مصطلح أهل
الحديث قد يطلق على معنى أعم، وقد يطلق على معنى أخص، وعلى هذا فهناك فرق بين
مصطلح أهل السنة وأهل الحديث وإن عبر بأحدهما عن الآخر في أبواب الاعتقاد لما
بينهما من التقارب في الغالب وإلا فقد يكون المرء من أهل السنة وليس من أهل الحديث
من الناحية الصناعية أي ليس بمحدث وقد يكون من أهل الحديث صناعة وليس هو من أهل
السنة فقد يكون مبتدعاً([39]).
(يتبع)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق